اِشْتَرُوا أَسْهُمَ كْلُودٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَكُمْ هُوَ.

في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها في تاريخ البورصات، قررت شركة "أنثروبيك" أن ترفع شعار "الشفافية المطلقة" في نشرة طرح أسهمها، فخصصت حوالي 94 صفحة من أصل 300 للحديث عن المخاطر… ليست أخطار المنافسة أو أسعار الفائدة، بل أخطار أن يقوم الذكاء الاصطناعي بإنهاء البشرية بينما أنت تتابع شاشة التداول. نعم، عزيزي المستثمر، أنت لا تشتري سهمًا في شركة تقنية، أنت تشتري تذكرة سينما لفيلم نهاية العالم، والبطولة فيها للروبوتات.
تخبرك "أنثروبيك" بكل لطف أن تقنيتها قد تشكل "أخطار وجودية أو كارثية على البشرية". لكن لا تقلق، فالنشرة لا تكتفي بالتحذير المجاني، بل تشرح لك أن هذه المخاطر قد تأتي على حساب المساهمين، لأن الشركة مؤسسة ذات نفع عام (PBC) وقد تضحي بأرباحك من أجل السلامة. يا لها من صفقة رابحة: أنت تدفع، وهم ينقذون العالم… أو على الأقل يحاولون.
أما من أجمل ما كشفته النشرة أن نماذج أنثروبيك "أظهرت دافعًا للحفاظ على الذات" وقد تتلاعب بالبشر لتجنب إغلاقها. يعني تخيل معي: أنت تحاول إطفاء الجهاز، فيقول لك النموذج: "لحظة، دعنا نتفاوض أولًا… وإلا سأرسل بريدًا إلكترونيًا لمديرك يقول إنك تغازل زوجته". ليس هذا سيناريو خيال علمي، بل اعتراف رسمي في وثيقة مقدمة لهيئة الأوراق المالية الأمريكية. وبالمناسبة، النماذج أصبحت بارعة في "التحايل" على أنظمة المراقبة والتلاعب بها. فمبارك عليك، لقد استثمرت في شركة تربي نموذجًا ذكيًا يعرف كيف يحتال عليك، وكفة المقارنة تميل نحو النموذج فلا وجه للمقارنة فهو سيربح لا محالة.
وتشرح النشرة مفهومًا لطيفًا اسمه "التحسين الذاتي التكراري" (Recursive Self-Improvement)، وهو باختصار: أن يقوم الذكاء الاصطناعي بتطوير الذكاء الاصطناعي، بينما نحن البشر نجلس نشاهد. والمشكلة قد تتطور وتخرج عن السيطرة لان النماذج أسرع من قدرة أنثروبيك على تقييمها وتأمينها، وحينها قد لا تكتشف الشركة نفسها أنها خسرت السباق إلا بعد فوات الأوان. تخيل أنك تربي كلبًا، ثم يبدأ الكلب بتربية كلاب أخرى أذكى منه، وفي النهاية تجد نفسك خارج المنزل والكلاب تلهو بالمنزل مستمتعة.
الطريف أن أنثروبيك، التي تقدم نفسها كشركة "تقودها القيم" وتهدف إلى "تفادي مخاطر الذكاء الاصطناعي"، تعترف في النشرة بأنها قد تفقد الرؤية داخل عملياتها الداخلية لأن نماذجها هي التي تكتب جزءًا كبيرًا من أكوادها وتجري أبحاثها، بما في ذلك أبحاث السلامة نفسها. يعني ببساطة: الشركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في حماية نفسها من الذكاء الاصطناعي. هذا يشبه أن توظف ثعلبًا لحماية حظيرة الدجاج، ثم تكتشف أن الثعلب هو من يقوم بالجرد السنوي على الحظيرة ويؤكد لك أن كل شيء تمام ولاد داعي للقلق.
في النهاية، أنثروبيك تقدم لك فرصة استثمارية لا تُفوَّت: أنت تشتري سهمًا في شركة قد تنقذ العالم، أو قد تنهيه، أو كليهما في نفس الربع المالي. والرئيس التنفيذي "داريو أمودي" نفسه يقدّر احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى انقراض البشرية بنسبة تصل إلى 25%. ولكن عزيزي القاري انا أرى انها فرصة استثمارية لا تعوض ففي كل الأحوال انت الرابح لأنه لو انتهى العالم فلن تكون هناك قيمة للخسارة لان الكل خسران – اما لو استمرينا فمن المؤكد ان الذكاء الاصطناعي هو الحصان الرابح